يحيي بن حمزة العلوي اليمني
126
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
التقسيم الرابع باعتبار كيفية الاستعمال للاستعارات اعلم أن الاستعارة تجرى في استعمالها على أوجه أربعة نذكرها . الوجه الأول استعارة المحسوس للمحسوس وهذا كقوله تعالى : كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ [ الرحمن : 58 ] شبه الحور العين بالمرجان والياقوت في شدة الحمرة والرقة وهكذا قوله تعالى : كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [ الصافات : 49 ] شبههن بالبيض في بياضه ورقته ولطافته ، فهذه استعارة مقدرة بتقدير طرح أداة التشبيه فتكون استعارة محققة ، كما أن كل ما كان من الاستعارة يطوى فيه ذكر المشبه فهو من التشبيه المقدر كقولك : رأيت أسدا ، ولقيني أسد ، كما مر بيانه . ومثال الاستعارة المحققة في المحسوسين قوله تعالى : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [ مريم : 4 ] فالمستعار النار ، والمستعار له هو الشيب ، بواسطة الانبساط ومنه قوله تعالى : وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ [ الكهف : 99 ] فالموجان ، حركة الماء في الأصل ، فاستعير للقلق والفشل والاضطراب في الأمر . ومن هذا قوله تعالى : إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ [ الذاريات : 41 ] فالمستعار منه المرأة التي لا تلد ولدا ، والمستعار له الريح ، لأنها لا تصلح شيئا ولا ينمو بها نبات . وقوله تعالى : نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [ يس : 37 ] فالمستعار له خروج النهار من ظلمة الليل ، والمستعار منه ظهور المسلوخ من جلدته ، فلما كان النهار من شدة الاتصال بالليل كاتصال الجلد بالمسلوخ منه ، لا جرم حسنت الاستعارة ، وهو باب واسع في كتاب الله تعالى والسنة الشريفة . الوجه الثاني استعارة المعقول للمعقول وهذا كقوله تعالى : مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا [ يس : 52 ] فاستعار الرقاد للموت ، وكلاهما أمر معقول . وقوله تعالى : وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ [ الأعراف : 154 ] فالسكوت عبارة عن زوال الغضب وارتفاعه : وهما أمران عقليان . ومنه قوله تعالى : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ [ الفرقان : 23 ] استعير من قدوم المسافر بعد مدة والمستعار له ، هو الجزاء بعد الإمهال . وقوله تعالى : تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ